كيف تبدو سنة 2023؟...إشكالية جمعت اقتصاديين وخبراء من آفاق مختلفة للنقاش

كيف تبدو سنة 2023؟...إشكالية جمعت اقتصاديين وخبراء من آفاق مختلفة للنقاش

كيف تبدو سنة 2023؟...إشكالية جمعت اقتصاديين وخبراء من آفاق مختلفة للنقاش

مع نهاية كل سنة، يغذي مشروع قانون المالية النقاش العام حول توقعات نمو الاقتصاد الوطني وآفاق تطوره. لم يحد مشروع قانون المالية 2023 عن هذه القاعدة.

فلا زالت فرضياته المتفائلة بشأن تخفيف التوترات الجيوستراتيجية، انخفاض أسعار المنتجات الغذائية، عودة أسعار الطاقة إلى الاستقرار، إضافة إلى انتعاش الإنتاج الوطني للحبوب، مثار جدال وردود فعل متباينة. من جانب آخر، ومن خلال هذا المشروع، حدد الجهاز التنفيذي أربعة أهداف أساسية لتدخل الحكومة، والتي تعتبر، برأي الجميع، طموحة جدا : تعزيز أسس الدولة الاجتماعية، إنعاش الاستثمار، ترسيخ العدالة الترابية وتقويم هوامش الميزانية.

لمساءلة هذه الفرضيات التي ترتكز عليها توقعات نمو الاقتصاد الوطني والروافع التي يستوجب تحقيق الطموحات المعلنة تعبئتها، نظم معهد مجموعة صندوق الإيداع و التدبير يوم الثلاثاء 22 نونبر لقاءا عن بعد تحت عنوان : « كيف تبدو سنة 2023؟ »، جمعَ اقتصاديين وخبراء من آفاق مختلفة :

● خافيير دياز كاسو، كبير الاقتصاديين بالبنك الدولي

● فاطمة الزهراء المنصوري، مسؤولة تدبير المحافظ، صندوق الإيداع والتدبير

● توفيق عباد، رئيس قسم التحليلات الماكرو – اقتصادية بمديرية الدراسات والتوقعات المالية، وزارة الاقتصاد والمالية

● كريم المقري، باحث في الاقتصاد

آفاق نمو إيجابية على العموم للاقتصاد الوطني

على الرغم من تعدد الصدمات الداخلية والخارجية التي يواجهها الاقتصاد الوطني، فإن آفاق تطوره تبقى إيجابية، مع نطاق نمو جد متفائل يتراوح بين 3.1 % و4.5 % حسب تقديرات مختلف المؤسسات. و تأخذ هذه التوقعات بعين الاعتبار التباطؤ المتوقع للنمو في منطقة اليورو، التي تعد الشريك التجاري الرئيسي للمملكة، وتغير دورة السياسة النقدية، إضافة إلى التأثيرات السلبية لارتفاع الأسعار على استهلاك الأسر.

في هذا الصدد، أبرز خافيير دياز كاسو أن « الاقتصاد المغربي يتوفر على مزايا مهمة، خصوصا بشأن مرونته وقدرته على التأقلم وصلابة إطاره الماكرو – اقتصادي ومؤسساته المكلفة بالسياسات العمومية […]. وحتى في إطار سياق غامض و متقلب، فإن الاقتصاد المغربي سيواصل النمو بمستوى أعلى من الاقتصاد العالمي ».

وبالفعل، فإن الاقتصاد الوطني يبدي اليوم العديد من علامات عودة الانتعاش : نسبة استعمال القدرات الإنتاجية التي تفوق 70 % حسب البحث الميداني الأخير لبنك المغرب، ارتفاع خلق فرص الشغل في الوسط الحضري خلال الربع الثاني من السنة وانخفاض معدل البطالة الإجمالي، انتعاش الصادرات خارج الفوسفاط ومشتقاته، إحداث أزيد من 60 ألف مقاولة جديدة في حدود نهاية شتنبر، إلخ. كل هذا يؤشر على وجود ديناميكية انتعاش اقتصادي، ويرجع الفضل في ذلك على الخصوص إلى صلابة القطاعات الإنتاجية وثقة الفاعلين الاقتصاديين في البيئة الوطنية للأعمال.

فيما يتعلق بالفرضيات التي ارتكز عليها قانون المالية، التي تعتبر متفائلة جدا، تجدر الإشارة إلى أن :

● معدل نمو 4.5 % يشكل هدف معلن من طرف الحكومة، بهدف ضمان استقرار النمو وجعله شموليا ومستداما؛

● توقعات إنتاج الحبوب متوافق بشأنها بين مختلف المؤسسات (بنك المغرب، المندوبية السامية للتخطيط، إلخ.). في الوقت الحالي، من الصعب الحديث عن محصول زراعي سيء، فقد عشنا في الماضي العديد من الفترات التي عرفت تساقطات مطرية متأخرة أنقذت الموسم الفلاحي.

إلا أنه يجب تسجيل استمرار بعض المخاطر التي يمكن أن تؤثر سلبا على آداء الاقتصاد الوطني، ومنها : تدهور البيئة الجيوستراتيجية ووقعها على أسعار المنتجات الطاقية والغذائية، إضافة إلى رد فعل الاقتصاد في مواجهة ارتفاع بعض الأسعار الجبائية التي جاء بها مشروع قانون المالية 2023. من جانب آخر، هناك استمرار نهج سياسة نقدية تقييدية في الولايات المتحدة الأمريكية وعلى مستوى منطقة اليورو ، والتي يمكن أن تجعل الشروط التمويلية في الأسواق المالية الدولية أكثر تشددا، الشيء الذي سيدفع الخزينة المغربية إلى اللجوء إلى السحب لدى صندوق النقد الدولي.

سياسة مالية مكنت من امتصاص الصدمات الخارجية والداخلية…

بفضل الإصلاحات الهيكلية التي انخرطت فيها المملكة، والتي مكنت على الخصوص من تحسين إنتاجية العوامل، والحفاظ على ديناميكية الصادرات وسوق الشغل من خلال إحداث فرص عمل مؤهل، تمكن المغرب من اكتساب هوامش التحرك التي مكنته من مواجهة الصدمات الخارجية والداخلية المتعددة التي تعرض لها اقتصاده.

فقد تعرضت المالية العامة لهزات قوية نتيجة الصدمات الخارجية (جائحة كوفيد، تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية، إلخ.) والتي انعكست من خلال ارتفاع مستوى عجز الميزانية والمديونية العمومية. ولعبت سياسة الميزانية دورا حاسما في السيطرة على انتشار ارتفاع الأسعار وعودة الانتعاش للنشاط الاقتصادي، وذلك على الخصوص بفضل الهوامش التي تم تحقيقها في السابق.

ينضاف إلى ذلك وزن الإصلاحات الهيكلية السابقة والتي توجد في طور التنفيذ، خاصة الأوراش المتعلقة بقطاع الصحة والحماية الاجتماعية والتربية. في هذا السياق، يكتسي محور توطيد هوامش الميزانية الذي أعلنت عنه الحكومة أهمية حاسمة في تمويل الإصلاحات الجارية.

ويندرج تمرين مراجعة النفقات العمومية الذي أطلقه البنك العالمي أخيرا في إطار هذا التوجه. فهو يهدف إلى القيام بتحليل شامل للحسابات العمومية وتحديد المراكز التي يمكن أن تُستخرج منها هوامش ميزانية إضافية أو خلق موارد جديدة. ويبقى الهدف المنشود هو تجويد تدبير موارد الميزانية.

مع تحقيق هوامش لتمويل الاستثمار

بفضل هوامش الحركة التي يتوفر عليها على مستوى الميزانية، يستطيع المغرب أن يقوم بإصلاحات هيكلية متسلسلة من أجل الحفاظ على قدرات نمو اقتصاده الوطني. على هذا المستوى، اعتُبر الاستثمار على الدوام رافعة للتنمية. و قد تم التعبير بوضوح عن هذه الإرادة خلال السنوات الأخيرة، وستزداد شدة هذه الإرادة خلال السنوات المقبلة.

و قد خصص مشروع قانون المالية 2023 غلافا إجماليا بقيمة 300 مليار درهم للاستثمارات العمومية، بزيادة 55 مليار درهم مقارنة مع 2022. كما تضمن العديد من الإجراءات المواكِبة : تفعيل صندوق محمد السادس للاستثمار، تنفيذ ميثاق الاستثمار، إضافة إلى الإصلاحات الكبرى التي تهم المقاولات العمومية.

وبكل تأكيد، فإن هذه الديناميكية الاستثمارية تتطلب مجهودا كبيرا لضمان تمويلها. وتجدر الإشارة بهذا الصدد إلى أن برمجة الميزانية على ثلاث سنوات التي أعدتها وزارة الاقتصاد والمالية حددت كهدف لعجز الميزانية سقف 3.5 % في أفق 2025 حتى تتمكن من ضمان استقرار المديونية والحفاظ عليها في مستوى دون 70 % من الناتج الخام الداخلي. غير أن الحكومة تتوفر على « نطاق مالي » وهوامش حركة تعتزم تعبئتها من أجل مواكبة المجهود الاستثماري المعلن :

● 3 % من الناتج الخام الداخلي المرتبطة باستخدام القدرات الجبائية، خصوصا على إثر توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين التحصيل والنفقات إضافة إلى عصرنة إدارة الضرائب؛

● ما بين 1 % و 1.5 % من الناتج الخام الداخلي التي تعتزم اكتسابها عبر ترشيد النفقات العمومية : نفقات المستخدمين، التجهيزات، استهلاك السلع والخدمات، إلخ؛

● 2 % من الناتج الخام الداخلي بفضل استعمال آليات تمويل مبتكرة من أجل توفير الأموال اللازمة لتمويل مشاريع البنية التحتية.

و تشكل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج رافعة إضافية لتعزيز الاستثمار الوطني. بهذا الصدد، تم إطلاق العديد من المبادرات من أجل تشجيع وتحفيز مساهمة المغاربة المقيمين بالخارج، خاصة عبر إحداث منصة للمعلومات والتوجيه بهدف تسهيل إجراءات الاستثمار، تعبئة الوكالات الحضرية و المراكز الجهوية للاستثمار، إضافة إلى إحداث الشباك الوحيد.

غير أن بلوغ هذه الأهداف يفترض تعزيز قدرات نمو الاقتصاد الوطني بتوزيع ناجع ومجود لعوامل الإنتاج وتحسين الإنتاجية.

تقوية أسس الدولة الاجتماعية

أضفى مشروع قانون المالية 2023 طابع الأولوية على تعميم الحماية الاجتماعية وجعلها من المحاور الأساسية لتدخل الحكومة. إلا أن هذا المشروع يتطلب مواكبته بتحسين الخدمات العمومية في مجال الصحة لتفادي نقص الجاذبية التي عانى منها من قبل نظام المساعدة الطبية (RAMED). يجب أيضا إيجاد حلول لإشكالية التغطية الترابية للمراكز الاستشفائية الجامعية والبنيات التحتية الصحية، والعجز من حيث عدد الأطباء، وتقنيي الصحة والممرضات، وجودة الاستقبال والعلاجات، إلخ.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى أن مفهوم الدولة الاجتماعية لا يتعلق فحسب بتعميم التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، بل يشمل أيضا جودة الخدمات العمومية في شموليتها، والسياسات الاقتصادية الموجهة لدعم التشغيل، وتقنين العلاقات في سوق العمل، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، إلخ.

في هذا السياق، شدد كريم المقري على أن « الإصلاحات تتطلب انخراط المواطنين وثقتهم. وتتطلب الثقة توفر عنصرين : إجراءات على المدى القصير يكون لها وقع على حياة المواطنين، والإنصاف عندما يتعلق الأمر بتحمل تكلفة الإصلاحات ».

السياسة النقدية وتدبير الادخار

قرر بنك المغرب خلال شهر سبتمبر زيادة سعر الفائدة المديري بـ50 نقطة أساس ليرفعه إلى 2 %. وترتب عن ذلك زيادة تقلب الأسعار في الأسواق المالية الوطنية التي تعاني اليوم من الهشاشة وتترقب القرارات المقبلة للبنك المركزي.

وجدير بالذكر أن هذا التشديد في السياسة النقدية من قِبَلِ بنك المغرب ليس ذو طبيعة علاجية وإنما يهدف بشكل أساسي إلى التأثير على استباق توقعات التضخم من طرف الفاعلين الاقتصاديين المغاربة.

إلا أن هذه الزيادة في سعر الفائدة تمثل فرصة للمدخرين، كونها سترفع من سعر الفائدة الحقيقي الذي يحصلون عليه، بعد عدة عقود من أسعار الفائدة المنخفضة. وتبقى آفاق تطور سوق الرساميل إيجابية على العموم. وكما أشارت إلى ذلك السيدة فاطمة الزهراء المنصوري : « لقد أصبحت أزمة كوفيد خلفنا، والمجمعات الماكرو – اقتصادية للمغرب صلبة، وعجز الميزانية تمت السيطرة عليه في مستوى أقل من 5 % من الناتج الخام الإجمالي. كل هذا يجعلنا نتوقع أن سنة 2023 سوف تعيد الاستقرار للأسواق و ستخلق الكثير من الفرص ».

منحى صامد ومنخفض الكاربون على المدى المتوسط للمغرب؟

يمكن لتغير المناخ أن يؤثر على منحى تطور الاقتصاد المغربي. فالصدمات الناتجة عن عدم انتظام التساقطات المطرية تفسر 37 % من تذبذبات معدل النمو. وبالتالي فإن التأقلم مع آثار التغيرات المناخية يكتسي أهمية أساسية، خاصة من خلال تدبير ندرة الماء على المدى القصير عبر تطوير البنيات التحتية التقليدية وغير التقليدية. غير أن هذا لن يكون كافيا، إذ يجب العمل أيضا على المدى المتوسط والطويل على تدبير الطلب وترشيده.

أما فيما يتعلق بالتخفيف من آثار التغيرات المناخية، فإن المغرب سيكون مستفيدا من إزالة الكاربون في اقتصاده. فرغم أن المغرب يعد بلدا ضعيف التأثير من حيث انبعاث الغازات المسببة للدفيئة، إلا أن اندماجه في الاقتصاديات الأوروبية ذات الطموحات الواضحة بهذا الشأن، ومعدل استثماره المرتفع البالغ في المتوسط نسبة 30 % من الناتج الخام الداخلي والبنيات التحتية التي أنجزها في مجال الطاقات المتجددة ، كلها عوامل تضعه بموقع يحتم عليه أن يجعل من إزالة الكاربون وسيلة لتدعيم نموه على المدى المتوسط.

وختاما، يمكن للأزمات الأخيرة أن تشكل فرصة غير منتظرة بالنسبة للمملكة. إذ كما حرص توفيق عباد على التأكيد : « ستكون هناك أزمات بشكل متكرر وعلينا أن نغتنمها كفرص مُسَرِّعة لوتيرة التنمية […]. علينا أن نواكب التحولات التي تقع على المستوى العالمي وأن نعزز قدراتنا على التأقلم والمرونة والصمود ».