لا عطور ولا "كروكات" - شعار الرئيس سعيّد لمكافحة أزمة المال والغذاء؟

لا عطور ولا "كروكات" - شعار الرئيس سعيّد لمكافحة أزمة المال والغذاء؟

تستعد الحكومة التونسية لتمرير خطة من ثماني نقاط من أجل مراجعة الواردات بطلب من الرئيس قيس سعيد، في خطوة أثارت انتقادات بسبب تضمن القائمة لواردات العطور ومواد التجميل وأطعمة الحيوانات. فهل تعد خطوة الرئيس مبررة؟

كان الوقت وقت الذروة لكن المحلات التجارية لبيع العطور ومواد التجميل كانت شبه خاوية في الطابق العلوي للمركب التجاري بمنطقة المنار الراقية في العاصمة التونسية.

ويقول العاملون في هذا القطاع وحتى الباعة للمواد الرخيصة المقلدة على الرصيف، إن المبيعات تتراجع والناس مهتمة اكثر بالبحث عن المواد الاستهلاكية المفقودة في الأسواق منذ تصاعدت الحرب الروسية في أوكرانيا.

أولويات جديدة أم شعبوية

« الطعام قبل العطور »، يلخص شعار المرحلة في تونس مع دعوة الرئيس قيس سعيد إلى فرض قيود على الواردات من المواد الكمالية ومن بينها العطور ومواد التجميل؛ بسبب الوضع الاقتصادي الصعب وفي ظل النقص الكبير في التزود بالمواد الاستهلاكية من الأسواق العالمية.

القرار الرئاسي رافقته دعوات نسوية ساخرة اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى استعادة المواد التقليدية للتجمل والتنظيف كخيار أخير أمامهن، مع احتمال فقدان الكثير من ماركات العطور ومواد التجميل العالمية في المتاجر.

وتأتي الخطوة الجديدة، بحسب الرئاسة، بهدف الضغط على العجز التجاري وترتيب الأولويات في النفقات العمومية والتصرف في احتياطي العملة الصعبة. ومع أن الحكومة لم توضح بعد متى ستدخل هذه الاستراتيجية الجديدة حيز النفيذ إلا أنها أثارت قلقا متزايدا لدى عدة شركات وجمعيات.

تعاني تونس من عجز تجاري وصل الى حدود 16.9 مليار دينار (الدولار يساوي 3.2 دينار تقريبا) خلال الثمانية أشهر الأولى من العام الجاري (2022) بينما كانت في حدود 10.14 مليار دينار في نفس الفترة من العام السابق، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء. وجاءت الصين وتركيا والجزائر وروسيا في صدارة قائمة الدول التي تعرف تونس عجزا تجاريا معها.

ويقول الرئيس قيس سعيد إنه وفي ظل الصعوبات التي يمر بها العالم في جميع القطاعات فإنه يتعين على المجموعة الوطنية أن تتقاسم الأعباء على قاعدة العدل الاجتماعي.

وقد لخص سعيد هذه المعادلة في بيان رسمي لدى لقائه رئيسة الحكومة نجلاء بودن، لم يخل من انتقادات علنية لسياسة التوريد، قائلا « كيف يمكن تفسير توريد الأكلات الخاصة للحيوانات الأهلية أو توريد مواد التجميل من دور العطور الأجنبية وتوجد وقتها العملة الصعبة (الأجنبية) في حين أن المواطنين يشكون في أغلبهم الحد الأدنى من ضروريات الحياة ».

غير أن هذه الانتقادات قوبلت بتحفظ كبير وحتى اتهامات غير معلنة بالشعبوية من وسط قطاع الأعمال والخبراء.

وبحسب الأرقام التي كشف عنها رئيس تحرير موقع « البورصة » المتخصص في الاقتصاد والمال لـدوتش فيليه فإن حجم الواردات من العطورات ومواد التجميل في 2021 بلغ قيمته حوالي 125 مليون دينار تونسي (37.5 مليون دولار أمريكي) ما يمثل نسبة 0.2 بالمئة من اجمالي الواردات البالغة 62.8 مليار دينار (18.8 مليار دولار امريكي).

ويعلق رئيس الموقع عمر العودي على الخطوة المتوقعة للحكومة لـدوتش فيليه بالقول: « من غير المتوقع أن يكون للقيود المفروضة على الواردات من هذه السلع تأثيرا يذكر في خفض العجز التجاري. الخطوة بعيدة كل البعد عن الواقع. لن يكون هناك لا تأثير إيجابي ولا سلبي ».

العطور والكروكات في قلب العاصفة

تعمل عائلة مزيود في قطاع إنتاج وتوريد العطور ومواد التجميل منذ ثلاثينات القرن الماضي، وتعد شركتهم اليوم من بين المؤسسات الناجحة التي تشغل المئات من العمال ولكنها قد تواجه مصيرا مجهولا في حال المضي نحو فرض قيود على وارادات المنتجات التي تحظى بإقبال من الطبقات الميسورة.

وفي حديثه مع دوتش فيليه عربية يشير حاتم مزيو، رئيس شركة رائدة في صناعة وتوريد العطور وهو في نفس الوقت رئيس غرفة صانعي العطور ومواد التجميل بالاتحاد العام للصناعة والتجارة في تونس، إن السلطات اتخذت بالفعل خطة من ثماني نقاط تشمل عدة قطاعات بهدف ترشيد الواردات.

وتابع مزيو أن الغرفة ستدرس الخطط المقترحة من وزارة التجارة والحكومة دون أن يتم التغافل عن الصعوبات التي يعاني منها القطاع أصلا بجانب الأضرار المتأتية خاصة من السلع المهربة التي تباع في السوق الموازية من دون أداءات، عدى الأضرار الصحية التي تتسبب فيها هذه المنتجات المقلدة.

وفي كل الحالات يأمل صناع العطور ألا يكون للإجراءات الحكومية آثارا مضاعفة على القطاع المشغل لنحو 20 ألف عامل من ذوي الكفاءات العالية والمتخصصة في هذا المجال، وفق ما ذكره مزيو.

لكن ليست وحدها مؤسسات التجميل في عين العاصفة، فالقرار الرئاسي والاجراءات الحكومية طالت كذلك أكلات الحيوانات الموردة من الخارج وخصوصا أكلات القطط والكلاب التي تعيش في أغلب بيوت التونسيين وفي مراكز الإيواء القليلة، وهو اهتمام بدأ يتعمم وسط العائلات التونسية مع تزايد أنشطة الجمعيات المدافعة عن حقوق الحيوان وضد قنص الكلاب السائبة بالذخيرة من قبل الشرطة.

وفي مركز لإيواء الكلاب والقطط السائبة شمال العاصمة يستعد متطوعون للتأقلم مع واقع جديد قد يخلو من طعام « الكروكات » المفضل لأكثر من 300 حيوان في المركز. وتوضح رئيسة المركز نوال العكش في حديثها مع دوتش فيليه عربية « كنا نورد الكروكات الأجنبية لأن تركيبتها أفضل وتتضمن حشائش صحية تحمي أمعاء الكلاب من الديدان وندفع مقابل ذلك رسوما كبيرة ولا نتمتع بأي امتيازات مخصصة للنشاط الجمعياتي. الآن قد نركز أكثر على المعكرونة وبقايا الدجاج ».

ومع أن الأزمة الاقتصادية والركود لم يستثن أي قطاع في تونس منذ الأزمة المرتبطة بوباء كورونا ومن ثم آثار الحرب الروسية في اوكرانيا، إلا أن أي خطوة جديدة من الحكومة ستسبب من الناحية التجارية أضرارا وخسائر للمحلات المتخصصة في أطعمة الحيوانات من دون شك.

ولكن بالنسبة لنوال فإن للخسارة وجه آخر محبط أهم بكثير من خسارة المال، وتقول لـدوتش فيليه: « من ناحية أخلاقية فإنه من المؤسف أي يتحول الحيوان إلى كائن فاقد للأولوية مع أنه يشاركنا الحياة في هذه الأرض ويعزز توازننا النفسي والاجتماعي ».

تونس – طارق القيزاني